محمود سالم محمد

406

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وجبالا أعرضت عنها وكانت * من سبيك اللّجين والإبريز شرّفت حلّة الرّسالة لمّا * زنتها من حلاك بالتّطريز « 1 » فهذا الشعر وأمثاله ، يظهر أن الألفاظ وضعت إلى جانب بعضها ، ليتم الوزن وتستقيم القافية ، قبل أن تخبر وتؤثر . فالألفاظ في المدح النبوي تتفاوت في صحتها وفصاحتها من شاعر إلى شاعر ، فالشاعر المتمكن تأتي ألفاظه فصيحة صحيحة ، والشاعر الذي يعاني ضعفا في ملكته الشعرية وثقافته اللغوية ، يعوّض ما ينقصه بأخذ الألفاظ من هنا وهناك ، ولا يجيد استخدامها ، فتترك آثارا سلبية على شعره ، وتبدو فيه الركاكة والضعف والثقل ، ويبتعد فيما ينظمه عن اللغة الشعرية التي تتأتى من تالف الألفاظ وارتباطها بالمعنى ، وتعبيرها عن تجربة الشاعر ومشاعره . القسم الثالث - الصنعة الفنية : منذ القديم بحث الشعراء العرب عن وسائل تزيد التعبير عمقا ، وتزيد الأسلوب جمالا ، لكنهم لم يتحدثوا عن هذه المسائل ، ولم يجهدوا أنفسهم في البحث واصطناعها في شعرهم ، فظلت تأتي عندهم عفو الخاطر ، وتندرج في أقوالهم دون تعمّل وتكلف ، إلى أن تنبّه الشعراء عليها فيما بعد ، فأخذوا يكثرون من هذه الوسائل التعبيرية ليزيد أسلوبهم جمالا ، حتى جاء ابن المعتز ، فوضع فيها كتابا ، فتح به للمؤلفين بابا جديدا من أبواب التأليف ، يكررون فيه ما نصّ عليه ابن المعتز ، ويزيدون ويشرحون . أما الشعراء فمع تقدم الزمن أولعوا بفنون البديع الجديدة ، وقصدوها قصدا ، وتصنعوا إدراجها في شعرهم إلى أن أضحت زينة ينوء بها الشعر ، وتثقل بها الكتابة ، فأضحت من مميزات الأدب في العصر المملوكي .

--> ( 1 ) السيوطي : نظم العقيان ص 80 .